خليل الصفدي
235
أعيان العصر وأعوان النصر
الثمانية ، واجتمعت عساكر مصر والشام ، وعهد الخليفة إليه بحضور العالمين ، وحلف المصريون والشاميون ، ولم تتفق مثل هذه البيعة لأحد من ملوك الأتراك ؛ لاجتماع أهل الإقليمين في يوم واحد بحضور الخليفة ، وكان يوما مشهودا عظيما . ثم إنه ولّى طشتمر نيابة مصر ، وقطلوبغا الفخري نيابة دمشق ، وإيدغمش أمير آخور نيابة حلب ، والأحمدي بيبرس نيابة صفد ، والحاج آل ملك نيابة حماة ، والأمير شمس الدين آقسنقر نيابة غزّة ، ولما فعل ذلك بهؤلاء الأكابر خافه الناس وهابوه ، وأعظموا أمره ، وبعد أربعين يوما من ملكه أمسك طشتمر ، وأخذه معه إلى الكرك ، وبعث إلى إيدغمش بأن يمسك الفخري فأمسكه ، وجهّزه إليه مع ابنه فلمّا وصل به إلى الرمل ، جاء من عند الناصر أحمد من أخذه منه ، وتوجّه به إلى الكرك ، وأخذ الناصر أحمد معه من مصر سائر الخيول الثمينة الجيّدة التي في إصطبل السلطنة ، وجميع البقر والغنم التي بالقلعة ، وأخذ الذهب والدراهم ، وسائر الجواهر وما في الخزائن ، وتوجّه بجميع ذلك إلى الكرك ، وجعل الأمير آقسنقر السلاري نائبا بمصر ، وأخذ معه القاضي علاء الدين بن فضل اللّه كاتب السر ، والقاضي جمال الدين جمال الكفاه ناظر الجيش والخاص ، وجعلهما عنده في قلعة الكرك ، واستغرق هو في لهوه ولعبه ، وما سوّله له الشيطان ، واحتجب عن الناس مطلقا ، وسيّر من يمسك الأحمدي بصفد ، فلمّا أحسّ بذلك هرب من صفد ، وجاء إلى دمشق ، وجرى ما سيأتي ذكره في ترجمة الأحمدي . ثم إنه أحضر الفخري وطشتمر يوما ، وضرب عنقيهما صبرا ، وأخذ حريمهما وسباهنّ ، وسلّط عليهنّ نصارى الكرك ، ففعلوا بهنّ كلّ قبيح ، فحينئذ نفرت منه القلوب ، واستوحش الناس منه ، ولم يعد يحضر من الكرك كتاب ، ولا توقيع بخطّ موقّع إنما يرد ذلك بخط نصراني يعرف بالرضي ، وإذا توجّه أحد إلى الكرك لا يرى وجه السلطان ، وإنما الذي يدبّر الأمور واحد من أهل الكرك يعرف بابن البصّارة ، فماج الناس لأجل ذلك في الشام ومصر ، وجهّز المصريون إليه الأمير سيف ملكتمر الحجازي ؛ ليرى وجه السلطان فلمّا بلغه وصوله ، جعله مقيما بالصافية أياما ولم يستحضره ، ولا اجتمع به فردّ على حاله إلى مصر ، فأجمع المصريون رأيهم على خلعه ، وإقامة أخيه إسماعيل مكانه فخلعوه ، وحلفوا للصالح إسماعيل « 1 » ، وحضر الأمير سيف الدين طقتمر الصلاحي للبشارة إلى دمشق ، وحلّف عساكر الشام ، وكان يوم خلعه يوم الخميس الثاني عشر من شهر اللّه المحرّم سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة ، وكان مدّة ملكه بالقاهرة والكرك دون الأربعة أشهر .
--> ( 1 ) انظر : البداية والنهاية : 14 / 202 .